ليس بإختياري, لكن زماني جعلني “بيضة”

ليس بإختياري, لكن زماني جعلني “بيضة”

November 13, 20143 min read

قصة قرأتها أيام دراستي لمرحلة البكالوريوس قبل ما يقارب عشرة اعوام. أعجبتني القصة وشدني التشبيه الذي أستعمله الكاتب لايصال المعلومة. قد يكون العديد منكم يعرف القصة ومرت عليه يوما ما كما مرت علي. لكن الجديد هنا اني اكتشفت انني امثل احد شخصيات هذه القصة

تحكي القصة بإختصار عن إبنة شكت لابيها مصاعب الحياة, فأراد الأب أن يشرح لها بطريقة عملية أصناف الناس عند تعرضهم إلى ضغوطات ومشاكل الحياة. فأحضر لها جزرة وبيضة وقليل من حبات البُن وعرّض كل منهم إلى ماء يغلي تحت درجة حرارة عالية. بعد برهة من الزمن أخرج الاب الأصناف الثلاثة ووضع كل منها في إناء امام ابنته لمعاينتها وشرح لها فكرته لكل صنف. فالجزرة باتت رخوة بعد ان كانت صلبة, وهكذا صنف من الناس يكون قويا صلبا, لكن الحياة و مشاكلها هزته وجعلته ضعيفا رخوا وضعفه بات ظاهرا للجميع. والبيضة تحمل في داخلها زلالا تحميها بقشرتها الخارجية, لكنها مالبثت بعد أن تعرضت للماء المغلي ان تجمد الزلال رغم ان مظهرها الخارجي لم يتغير. وهذا يمثل صنف من الناس من يحمل قلبا رخواً لكنه يقسى مع قسوة الحياة رغم ان قسوته غير ظاهرة. واخيرا حبات البُن لم تتغير لكنها غيرت شكل وطعم ورائحة الماء الذي تحتويه وحولته الى قهوة, وهذا كصنف من الناس الذي لا يتغير بظروف الحياة, لكنه على العكس, يغير المشكله ليجعل لها نكهة وطعم جميل عليه وعلى من حوله.

بطبيعة الحال عندما قرأت هذه القصة تمنيت ان اكون كالقهوة التي يزداد عبق عبيرها كلما اشتد عليها الالم خاصة وان المغزى من القصة ان نكون كالبُن وان لا نجعل لضعوطات الحياة ومشاكلها اثر سلبي علينا. لكن هل من السهل ان تكون كالبُن ونحول الجو العام الى قهوة؟ هل جربت ان ان تبتسم وتتصرف بعفوية وتلقائية وتشارك الناس افراحهم واتراحهم وانت تغلي في الماء الساخن؟؟ لا اقصد بالماء الساخن ضيقة صدر عابرة او ملل معتاد يمر عليك بحياتك, بل اقصد لحظات حرجة او منغصات حقيقة تمر عليك كحالة موت في عائلتك او تغيير جذري في حياتك او تكون في خضم مشكلة ما. أعرف شخصيات لهم القدرة على ذلك, كالنمسة الطيبة اينما وقعوا, لكني عن نفسي حاولت أن اكون ولم استطع. فكيف لي ذلك وملامحي تستنطق الكلمة بدلاً عن لساني؟ لذلك قبلت نفسي كما انا

فمن انا من بين هذه الشخصيات؟

وجدت نفسي كالبيضة. كنت في يوم من الايام احمل حساً مرهفا يستطيع العبث به القاصي والداني. قشرتي الخارجية لم تحمي زلال روحي من الصدمات الخارجية التي كانت تواجهني رغم انها لا تعد صدمات حقيقية. تأذيتُ مراراً, ورممت مراراً وحاولت ان أعيش. لكن عندما مضى بي العمر, ووعيت حقيقة الحياة بحلوها ومرها, وحقيقة صعوباتها, أدركت أنني لن انجوا لو بقيتُ على حالي, لان روحي ببساطة ستتسرب من جراء اي خدش يطال قشرتي, و ستنساب منهارة اذا ما تعرضت قشرتي لضربة تهشم كيانه. وجدت أنني مع دروس الحياة التي اتلقاها ازداد صلابة, كنت سعيدة بذلك. حيث انني استطيع تجاوز كثير من الحوادث التي مرت علي حتى وان كبوت خلالها لفترة من الوقت. ولولا هذه الصلابة التي اكتسبتها بعد عون الله ورعايته, لما كنت اقف على قدمي بعد خبر وفاة ابي وانا في بلد الغربة

اذن ما المشكلة؟ ما الازمة التي تواجهني رغم اكتسابي للصلابة والقسوة؟ المشكلة التي اكتشفتها انه بقي في جوفي نطفة من زلال لم يتجمد, وان ما عداها يزداد صلابة وقسوة بازدياد معيار الالم. ففي وقت المحن تستغيث هذه النطفة لكن قسوتي وصلابتي تسد جميع المنافذ لاي محب يريد مد يد العون. فقسوتي غير ظاهرة, من يراني يعتقد اني البيضة القديمة جاهلا التغيرات الجذرية التي حدثت, لكنه لا يلبث ان يدرك ذلك بعد ان يتأذى عندما يحاول الاقتراب. ففي حقيقة الامر, انا المتأذية الاولى من قسوتي تلك التي تجرحني اذا مازاد معيار الالم كما تجرح البيضة قشرتها اذا ما عُرضت لفترة طويلة للماء المغلي. فأقنعت نفسي انه لا سبيل لاحد بأن يصل الى ما بقي مني ولم يتجمد طالما انه محاط بمشاعر قاسية منفرة. لذلك حفاظا على نفسي وعلى من احب, افضل العزلة في الكربات. اداوي جرحي بنفسي الى ان اطيب وأعود لطبيعتي. أحيانا يعتريني مالا اطيق, فيسخر الله لي من له النفس تطيب, ولكن ما البث الا ان اعود لسابق عهدي من جديد

هذه انا

بيضة تعيش في الحياة..

فمن أنت؟

هل انت جزرة, أم بيضة, ام انك البطل الملقب بالبُن؟

Back to Blog