
ومات أبي
و مات أبي
ولم يبقى سوى ذكراه في وجعي
أحّنُ لهُ, وأنعاهُ, أمَا كُنتَ المساءَ معي مساءُ اليُتمِ يا أبتيتحُنُ إليك ذاكرتي فآتي قبركَ الغالي ليجري دمع فاتحتي ..
كنت أسمع من قبل هذه الكلمات وابكي ناحبةً وانا تحت كنفه رحمه الله. كنت اسمعها وتُبكيني وهو جواري, أراه واسمعه واقبلّه وأخدمه. فكيف تفعل بمن كانت تبكي اباها وهو فوق الأرض اذا ما ابتلعته الارض وحالت عن وصاله السبل؟؟
توقيتي لكتابة هذه المقالة ليس عبثاً. فقد مررت بفترة عصيبة وقت وفاته رحمه الله. وأصبحت مرارة الغربة عليّ مرارة غربتين, غربة عن بلدي واهلي, وغربة عن نفسي التي جحدتني آنذاك. عندما فُجعت بخبر أبي, تهتُ في دوامة مشاعر مازلت رواسبها تظهر بين الفينة والاخرى إلى يومنا هذا. وبصراحة لم اكن افكر يوما ان اترجم هذه المشاعر عبر كلمات سواء شعرية او مقالية لاني موقنة ان الجرح الذي خلفه أكبر من أن يُعبَر عنه في بضع كلمات. لكنني غيرت وجهة نظري عندما قرأت مقالة لهتون القاضي (مقدمة نون النسوة) عن تجربة الم طلاقها التي الهمتني ان انفسّ عمّا يجتاحني، وادع له الحرية في المضي عني حتى وان لم يبلغ في التعبير مقصدي. لكني بهذا سأدع الكسر والحزن الذي بين اضلع يخفف وطئه عني.
لكن, لماذا الان؟
أجلّت كتابة هذا المقال حتى أحصل فعلياً على درجة الماجستير. حتى انهي امراً ضحيت لأجله بوداع أبي. فقد حرمني البدء بالماجستير أن اودع ابي الوداع الاخير، حرمني من الحضن الاخير, من النظرة الاخيرة, من الهمسة الاخيرة في اذنيه قبل ان يرتحل عنّا دون عودة. ولأكون صريحة معكم ومع نفسي، لم يؤلمني موت أبي بقدر ما آلمني وجرحني انني حرمت نفسي من وداعه
لم أكن أعتقد ان كتابتي لهذه الكلمات ستكون صعبة لهذه الدرجة. استغرق مني الامر اياما لأني غصت في رواسب مدفونة وجعلتها تطفو مجددا. وبالطبع استعادتي لتلك الذكريات لم يكن بالسهل ابدا، لكن هدفي ان اواجه الحزن واجعله يأخذ وقته ثم يمضي دون ابقاء رواسب تنهش كياني
مقالتي هذه ستمر على ثلاث مراحل من حياتي: مرحلة ابتعاثي، مرحلة انقطاعي عن الدراسة, واخيرا مرحلة وفاة ابي وما بعدها. لن اذكر شيئا عن حياة ابي. فبغض النظر عما يُشهد له عن سيرته العطرة وأخلاقه الفاضلة وحسن معشره وجميل صحبته وسداد حكمته, فهو في النهاية أبي. وكل فتاة بأبيها “مغرمة”. فسأكتفي في هذا المقال بأن يعرف القارئ انه أبي, وأني متيمة به، وانه الرجل الاول في حياتي, عوضاً عن معرفته بشخصه
مرحلة ابتعاثي بدأت في عام 2010. قبل سفري كنت اتمنى ان اختلي بأبي لبضع ساعات لأنهل من حكمته ما يفيدني في غربتي. ولان ابي اغترب في دراسته وتوفى اباه وهو في الغربة، كنت اتمنى ان اسأله عن شعوره وقت ما استقبل الخبر, وهل سيجعل الغربة ضمن خياراته لو عاد به الزمن؟ لكني لم اجرؤ على سؤاله هذا، ولم يدر في خلدي ان الجواب سيأتيني كصفعة عنيفة بأن يجعلني في مكانه واشعر شعوره.
المرحلة الثانية كانت في عام 2012 حيث انتهيتُ من دراسة اللغة وانقطعت سنة كاملة الى ان حصلت على قبول أكاديمي. خلال دراستي للغة كنت في ضغط نفسي بسبب محاولاتي للحصول على قبول أكاديمي قبل انتهاء فترة اللغة. اختبرت اختبار التوفل 4 مرات واختبار الايلتس 5 مرات وقدمت على أكثر من 10 جامعات. كانت مشكلتي انني انتقائية نوعا ما. كنت انتقي الجامعات التي لها صيت في تخصصي تخصص الحاسب الالي. الجامعات التي قدمت فيها اما ردت بالرفض لعدم استفائي الشروط، او انه لم يصلني رد منها, او ان الجامعة اقفلت من الوزارة بسبب التكدس. كنت ارى انني ابذل جهد مضاعف عن اقراني، لكن في المقابل كنت اسمع كل بعد فترة عن قبول احداهم واستمراره بالمشوار الاكاديمي في احد الجامعات مما اثر بشكل كبير على نفسيتي. وظللت اسأل نفسي عن الحكمة من تأخير دراستي بالرغم انني ابذل كل ما في وسعي لتحقيق الهدف؟
في تلك السنة قضيتها في بيت اهلي وعشتها بين يديّ والديّ. ولأنني كنت انا المتفرغة من بين اخوتي, كنت بمثابة الحارس الشخصي لأبي الذي نهش المرض جسده. فكنت ملازمه له في اغلب الاوقات. أصبح لي روتيني اليومي معه. أجلس معه منفردة من بعد صلاة العصر إلى المغرب على صحن من الفاكهة، يقرأ خلالها احدى الكتب ونتناول مواضيع مختلفة. بعد عودته من صلاة المغرب تكون جمعتنا على جلسة الشاي والقهوة مع امي واشقائي. وحين يحين موعد نومه، اسبقه الى فراشه لاختم يومه بمساج شامل ليخفف عنه اعراض السعال الذي تضيق انفاسه منه. لا اريد ان ادخل في تفاصيل كثيرة، لكن ما اريد ايصاله ان اخر سنة من حياته كنت ملازمه له حتى في ادق واتفه الامور. فقد كان محور حياتي، انام واستيقظ وانا اتابعه. كنت اشعر انه ولدي وليس والدي. وكانت والله خدمتي له من المتع في دنيتي التي رزقني الله اياها، ولم اشعر يوما بعبئها علي
في الربع الاول من تلك السنة، اتاني قبول في جامعتي الحالية Rochester Institute of Technology للدراسة فيها في شهر سبتمبر من نفس العام. استقبلت القبول بفرح بالغ وخاصة ان قبولي في هذه الجامعة بالتحديد كان تقدير رباني ولم تكن من خياراتي الأولية. بشرت به ابي وشاركني فرحتي بتبريكاته. وبعدها بدأت بالإجراءات اللازمة من تجديد الجوازات والفيزا, وعمليه استكشاف المدينة و البحث عن سكن و ما الى ذلك. وفي تلك الفترة ايضا في شهر يونيو (شعبان) رُزقت بإبني عمر
أبي كان يرتاد المستشفى بين الفينة والاخرى بسبب ضعف المناعة لديه ما بين مواعيد او علاج. في ظهيرة اليوم السادس من شهر رمضان 2012, استيقظتُ على صوت سعاله. وجدت ان حرارته مرتفعة وان جسمه كله يرتعش. اسرعت بوضع كمادات لرأسه وجلبت له كأس ماء. كان ينظر لكأس الماء مترددا لأنه صائم. لكنه في النهاية شربها وخف عنه السعال وقتها. وبعدها قال لي بحرقة: “استغفر الله، فطرت”. جاء اخي البكر ليصحبه الى الطوارئ ولم اكن اعلم ان خروجه ذلك هو خروجه الابدي من بيته. كان يردد رحمه الله في ذلك اليوم وهو يتناقض “اللهم اغفر لي ولوالديّ ولذريتي وللمؤمنين والمؤمنات”. قضى ابي رحمه الله عده ايام في المستشفى في غرفة عادية, ثم نقلوه للعناية المركزة لعزله لان مناعته ضعيفة فأي عدوى بسيطة قد تؤثر عليه بشكل كبير. في الفترة التي كان فيها أبي في العناية، كنا نتناوب انا وامي وأشقائي على المكوث طيلة اليوم معه. كانت نوباتي في العادة صباحية وقصيرة بحكم ان لدي طفل رضيع. كنت عندما اذهب لموعد نوبتي، خطواتي تسابقني في الممر الطويل الذي كان يفوح برائحة المعقمات لألتقي بأبي. والله انني كلما ذهبت اشعر بقلبي يرف وكأنني عشيقة تهفو لان تقابل عشقيها. ألفت رائحة المعقمات لدرجة ان بعد وفاته رحمه الله اصبحت استخدم معقمات اليد لا لشيء الا لأشمها. كانت اغلب الايام التي قضاها أبي في العناية كان موصول بأنبوب جهاز تنفس اصطناعي عبر فمه حتى وهو مدرك بسبب اجهاد رئتيه. فكان يتواصل معنا بالإشارة و الكتابة, ولنا حكايات عدة مع كتاباته رحمه الله. لا أستطيع ان ابحر أكثر في ذكرياتي هنا، ولا اريد ان اذكر تفاصيل ادمت قلبي قبل عيني. لكن ما يهم هنا ان ابي مكث في العناية المركزة الى ان وافته المنية رحمه الله. بمعنى انه مكث في المستشفى شهر و20 يوما. كانت حالته متذبذبة, عندما يلتقط العدوى كانت حالته تسوء لدرجة اني ادعو الله ان يرحمه ويلطف به بقبض روحه ان كان الموت خير له, وعندما يتعالج مع المضادات لأيام فإن حالته تتحسن لدرجة اننا نُبشر بخروجه القريب من العناية المركزة
حالة أبي رحمة الله كانت متذبذبة ما بين تدهور وتحسن. لم تكن حالته حالة المنقطع عنه الرجاء، بل على العكس. كان تدهور صحته نتيجة التهابات تصيبه، ويصبح أحسن حالا اذا ما شفي منها. وكان السعال الملازم له نتيجة مرض في رئتيه، وكنا نأمل من الله ان وضعه سيغدو احسن حالا عما كان عليه قبل دخوله للمستشفى عندما يُعالج منه.
في اليوم الذي خرج فيه أبي من المنزل، لم اتخيل للحظة ان الامر سيطول. توقعت ان الامر لن يتعدى أسبوعا ان طال به الامر. ولكن عندما تم تحويله الى العناية المركزة بدأ القلق يدب خافقي خاصة انه تم تنومينه لفترة ولم يكن واعي فينا. عندما كان ابي في فترة التنويم، لم اكن افكر كثيرا في امر السفر لان موعد دراستي بعد قرابة شهر، لكني رغم ذلك أبلغت زوجي ان خططنا ستتغير من ناحية السفر لو استمر ابي على هذا الحال بالرغم من ارتباطنا بعقد المنزل وعقد الدراسة وامور اخرى لا حصر لها. أخبرته انني لن اذهب الا إذا خرج ابي على الاقل من العناية المركزة. وافقني الرأي وأخبرني ان الامر بيدي وسيدعمني على اي قرار اتخذه. قررنا ان لا نلغي اي من الإجراءات المعلقة حتى تتضح لنا الامور خاصة انه باقي على موعد سفرنا قرابة شهر، فلعل الله يحدث بعد ذلك أمرا.
أكرمني الله ان اكون انا التي تقف على رأس أبي رحمه الله في اول يوم فتح عينيه بعد تنوميه لمدة دامت تقريبا اسبوع. لا أنسي ابداً نظرة عينيه الخائفة وهو غير قادر على استيعاب مكانه, والاجهزة التي تحيط به. لم يستوعب لم هو غير قادر على الكلام وما هو الشيء المنحشر في فمه. كانت اقدامي لا تستطيع حملي من فرحي فكنت اقفز حوليه اقبل رأسه واحمدّ له بالسلامة وانا غير مدركة للخوف الذي اجتاحه. كان يحاول ان يقول لي شيئا لكني لم افهم منه. لكن عندما تجمدت نظراته الحائرة في عيني، أدركت سؤاله: اين أنا؟ مسدت على راسه وانا اشرح ما حصل له وانه تم تنومه وانه الان بخير بإذن الله. أصبح يأشر بيديه كانه يقول اين الجميع؟ طمأنته أن امي واشقائي وجميع اهلي بخير ولا ينقصنا الا عودته لبيته سالما. بعدها اجهش بالبكاء وبكائه ابكاني دما.
بعدها كانت صحته في تحسن، حتى ان الاطباء قرروا ازاله جهاز التنفس عنه. انتعشت ارواحنا بعودة صوته. وعادت روحه ودعاباته الجميلة رغم حالته. استمر كذلك لأيام حتى جاء اليوم الذي تنوم فيه للمرة الثانية ورجع لجهاز التنفس بسبب اجهاد رئتيه. تنويمه في المرة الثانية لم يطول، لكن جهاز التنفس استمر معه. في أحد نوباتي عنده, اتيت على ذكر سفري وانني في صدد تأجيل الامر. قاطع حديثي بإشارة يديه “لا”. استمر يؤشر لي بيده كالطائرة ويحاول ان يتكلم حتى انني قبلت يديه واخبرته أنى سأفعل ما يأمر به. كنت في قرارة نفسي اريد تهدئته لا غير. بقيت عند ابي ذلك اليوم ما يقارب الساعتين. عندما انتهت مناوبتي وخلفني اخي، قبلّت راس ويد ابي مودعه فأشر لي بيديه مؤكداً كالطائرة وهو ينظر الى عيني, فأدركت انه فعلا كان يعني ما يقول. في تلك الفترة ايضا كان مقرر اقامة حفل زواج عريسين وعروستين من العائلة من احفاد اخوة ابي. وقد كتب ابي رسالة خطية يبارك لهم حفلهم ويأسف عن عدم تمكنه من الحضور ويرجوا منهم عدم تأجيل حفلهم بسببه.
قرار سفري لم يكن سهلا ابدا. كنت اشعر انني في دوامة ليس فيها أحد غيري ولا يستطيع أحد مد العون لي. فحمل هم القرار كان على عاتقي لوحدي وانا وحدي من سيتحمل تبعاته. هي كلمة سأنطقها، اما ان امضي في خطط تم تنسيقها مسبقا لي ولزوجي وابنائي بما في ذلك امر دراستنا واستقرارنا ودخلنا المادي الذي لم يتم الا بعد جهد وسعي وراء الوزارة لأشهر وتدخل اطراف خارجية لاسترجاع البعثة بعد الانقطاع, وبذلك انا من يتحمل الضرر النفسي. أو ان اهدم كل تلك الخطط بتأجيل بعثتي الى امد غير معلوم ويكون وضعي انا وعائلتي الصغيرة بين فكي المجهول، وسيتحمل اضرارها كل فرد في عائلتي. استخرت الله ودعوته كثيرا ان يلهمني الحكمة والقوة، وان يقر عيني برؤية ابي سالما معافى.
اخي البكر أكثر من دعمني لاتخاذ قرار السفر. في يوم سفري، حالت الاجهزة بيني وبين ضمة الوداع. ودعت ابي بقبلات في جبينه وكفيه وقدميه. سألته: “أبويا, انت راضي عني؟ لو انت وامي راضيين عني بروح وانا مرتاحة” اشار لي بإبهامه, واشار لي ولزوجي بأن لا تنسوني من الدعاء في الطائرة. ودعته واستودعته عند خالقه وخرجت دون ان التفت حتى لا يظهر ضعفي. كنت أسأل الله أن يقر عيني برؤيته سالما معافى في بيته عند عودتي بعد انتهائي للفصل الدراسي. ولكن في نفس الوقت كان احتمال الموت وارد في ذهني وانه من الممكن ان تكون هذه اخر مرة اعانق فيها روحه.
جهاز التنفس الصناعي سبب لأبي تقرحات في فمه، ولان الفترة التي كان سيقضيها بهذا الجهاز غير متنبأ بها , فقد كان مقرر ان يُجري عملية لنقل ابوب التنفس من فمه إلى عنقه عن طريق اجراء فتحة صغيرة في مجرى التنفس. هذه العملية تمت وانا في الطائرة. عندما وصلت الى ارض الولايات المتحدة كان ابي قد افاق من البنج، وأبلغني اهلي انه سأل عني عند افاقته. كلمته حينها ببرنامج الاسكايب وكان وجهه رحمه الله مشرق. كان يحرك شفتيه بلا صوت ويلوح لي بيديه ويأشر بإبهامه عندما سألته عن صحته.
عند وصولي لبلد دراستي واجهت صعوبات كبيرة، منها تأخير موعد الصرف، وتدبير امر ابني الرضيع البالغ من العمر شهرين. فكنت ما بين متابعة الملحقية و حضور و استدراك الحصص الدراسية التي تأخرت عنها عدة ايام. كنت كمن هو في دوامة احاول التركيز على عدة امور من بينها امر ابي عن طريق اخوتي. وصلت امريكا يوم الخميس، وبعد مرور اسبوعين، استقبلت اتصال من أهلي يخبرونني فيه بحالة ابي الحرجة. اعطوني امل انها حالة كسابقتها من الحالات، وأنها بإذن الله ستمضي على خير. لكن توجست بأن اثنين من اخواني واختي الطبيبة وامي في المستشفى، بالرغم اننا في العادة نتناوب عليه ولا نجتمع كلنا عنده. ولكن في المقابل خفت ريبتي عندما علمت ان زفاف اقربائي الليلة وان النصف الاخر من اخوتي في الزفاف لمشاركة اهل الفرح فرحتهم. ما بين مشاعر الشك واليقين لم أستطع النوم. كنت اتقلب في الفراش كمن هو نائم على جمر رغم اجهادي الشديد ذلك اليوم. مسكت جوالي وفررت قائمة الاسماء واخترت من بينهم رقم سيدة فلسطينية احسبها صالحة ولا ازكيها على الله, لا تعرفني ولا اعرفها الا عن طريق الواتساب كوسيطة بينها وبين امي, وارسلت لها طالبة ان تخص ابي بدعائها وان يطمئن قلبي عليه.
ما بين شكي ويقيني بحالة ابي, غفوت, وخلال نومي استقبل زوجي رامي خبر وفاة والدي من اخي البكر, وفضّل الاّ يوقظني وقتها. لا اعلم عدد الساعات التي نمتها، ولكنني كنت احمل الجوالين بجانبي، جوالي الامريكي وجوالي السعودي تحسبا لاي اتصال ولأتفقده في كل مرة افتح فيها عيني. لعل الاجهاد بلغ مني مبلغه حيث ان نومي كان متواصلا، او لعلها رحمة من الله بي. فتحت عيني على جوالي الامريكي وما وجدت غير عدة رسائل من السيدة الفلسطينية “خالتي أم مجيد” تطلب رقمي لمكالمتي، وارسلت لها رقمي. تنبهت بعدها ان جوالي الاخر ليس بجانبي وهو الذي استقبل منه مكالمات من اهلي. بحثت عنه ووجدته بجانب رامي الذي كان غافيا على اريكة الصالة. اخذته خلسة وعدت لسريري، وبلهفة اتصلت على اخي البكر لاتطمن على ابي. وهذا ما دار بيننا:
-“وعليكم السلام ورحمة الله”
-“ها وائل بشّر كيف ابويا؟ إن شاء الله أحسن؟”
-” الو… الو…”
-“ايوة وائل اسمعك، كيف ابويا؟”
-“الو… الو…” وانقطع الاتصال!!
حاولت ان اتصل بعدها لكنني استقبلت مكالمة من رقم دولي غريب. كانت خالتي ام مجيد. رقّ قلبها لحالي وابت الا ان تتصل لتحاول تهدئتي من الروع الذي انا فيه. وقتها لم أكن اعلم ولا تعلم هي ان روح ابي قد فاضت الى خالقها. كنت متحرجة بعض الشيء من مكالمتها لأنني ببساطة لا اعرفها الا في حدود تواصلها مع امي. لا اذكر تفاصيل حديثنا بالضبط، لكن ما اذكره انها بقيت معي اكثر من نصف ساعة تغدق علي حديثاً ادين له بالفضل بعد الله في تخفيف الصدمة عليّ. كان محور حديثنا عن قرار سفري في هذه الظروف. فقد كنت اشعر وقتها بتأنيب ضمير قاتل، وكنت اتساءل هل ما فعلته يعتبر جرماً في حق نفسي وحق أبي؟ لم تُأيد حديثي ابدا, بل اكدت ان قراري لا يشوبه شيء من الخطأ، بل على العكس. كانت تكلمني وكأنها على علم بموت ابي. وصفت لي الحالة التي سأكون فيها إذا ما مات ابي وانا في الغربة. وصفت لي الحال المنكسرة التي سأكون عليها وكيف ستكون مداخل الشيطان عليّ ليحزنني. وصفت لي كيف انني قد اواجه انتقادات اناس ذو فكر مريض يلومونني على قرار سفري. كانت تعزز ايماني في ان ما اصابني وما سيصينني قضاء الاهي لن استطيع الهروب منه حتى وان تغيرت قراراتي الماضية.
في خلال حديثها معي كنت اقول في نفسي: “ليش هي بتقول كذا؟ ابويا ما مات!”. لقد جعلتني اعيش حالة وفاة ابي قبل علمي بوفاته، وكأنما ارسلها الله ليمهد لي الخبر الذي لولا عناية الله و تمهيده هذا لما حملتني اقدامي من هول الصدمة. بطبيعة الحال كنت ابكي حينها لمجرد تصوري ان ابي قد مات. تنبه رامي لصوتي، ووجدني بالحالة التي انا فيها, اتحدث على الهاتف وانا ابكي, فأعتقد ان الخبر وصلني. جلس بجانبي يربت على كتفي متعاطفا، لم افهم فعله وقتها!! اشرت له ان يتركني وانني سأشرح له بعد لحظات ففطن انني لم اعلم بعد. انهيت حديثي مع خالتي ام مجيد، ثم حاولت الاتصال مجددا بأخي وائل لكن ما من مجيب. جاء رامي للمرة الثانية ودار بيننا هذا الحوار الذي بدأه هو:
-” مين كنت تكلمي؟”
-“وائل ما يرد مدري اشبه”
-“قوليلي من كنت تكلمي؟”
-“انت كلمت وائل؟ كيف حال ابويا؟”
-“قوليلي اول من كان يكلمك؟”
-“رامي, ابويا في شي؟ احد قلك شي؟”
– رامي يصرف عينه عني ويحاول يعيد سؤاله بتلعثم
-“رامي, ابويا مات؟؟”
– بصوت متحشرج وعينان تهربان من المواجهة، قال رامي “ايوة مات”
لا أدرى ما حدث بعدها بالضبط, لكن كل ما اذكره انني كنت بين يدي رامي الذي ساقني لأستلقي على اريكة الصالة بعيدا عن اطفالي الصغار. اتذكر انني كنت اضع يدي على فمي لأكتم نحيبا صادرا مني. وكنت ارتجف لا اعلم هو برد اصابني ام أن جسمي في حالة هول و صدمة. كلمت اهلي وحاولت قدر المستطاع التماسك. وحاولوا بدورهم تهدئتي ومواساتي.
صحيح ان احتمال الموت كان حاضرا في ذهني، ليس فقط يوم وداعي الاخير لابي، بل حتى منذ بداية بعثتي. ففي الغالب دائما ما أضع في ذهني اسوء الاحتمالات وقت قراراتي الحرجة. لكن مالم أضعه ضمن حساباتي ان يُوارى جثمان أبي الثرى دون ان أراه. وان لا اكون موجودة يوم عزاء ابي الذي عشت أجواءه في مخيلتي أكثر من مرة. طلب اخي وائل من رامي عدم العودة فقضاء الله نافذ وليس لنا من الامر شيء. ولو انني حجزت على أقرب رحلة لأرى فيها ابي قبل دفنه، لتأخرت دفنته رحمه الله الى فجر اليوم التالي. لكنهم قرروا الصلاة على ابي عصر ذلك اليوم. كنت احاول جاهدة منع نفسي من طلب انتظاري وتأجيل دفنته لأحظى برؤيته. استحضرت احدى وصايا أمي لي عند سفري. وصتني ان لا يتم تأجيل دفن جثمانهما هي او ابي إذا ما اخذ الله امانته ونحن – انا واخي الأوسط – في الغربة. كنت أصارع نفسي ما بين رغبتي ومابين ما يجب فعله. كان يؤلمني انني لم أستطع ضمه عندما سافرت بسبب الأجهزة التي كانت تحاصره، ولن اضمه في اخر لحظة قبل ان يغيب عنا للأبد. خلال ذلك اليوم، كنت ابحث عن رحلات للسعودية وكنت مقررة انني سأعود حتى وان لم ينتظروا عودتي قبل دفنه. فعلى الاقل ان اكون بين اهلي في مصاب هكذا سيخفف عني الكثير. اتصلت على رامي الذي خرج من المنزل لتقضيه بعض الامور وأخبرته انني سأحجز رحلة للعودة. قال لي ان انتظر حتى عودته لنتفاهم في الموضوع. خلال بحثي عن رحلات سفر، جاءني اتصال من الهبة الربانية “خالتي ام مجيد”. بالطبع أخبرتها سابقا برسالة ان ابي قد توفى رحمه الله. وصدقا اقول، لا اعلم هل لهذه الإنسانة سحر في البيان، ام انني كنت في حالة الغريق الذي يريد ان يتعلق بقشة. كان صوتها يبعث في نفسي سكينة تجعل من الحزن الهائج شعور لطيفا كله طمأنينة ورضى. اخبرتها انني انوي السفر. سألتني عما إذا كنت سأتمكن من رؤية جثمان ابي قبل دفنه، فأجبتها بالنفي. ووالله لا اذكر ما قالت بالتفصيل، لكن كل ما اذكره انني أقفلت منها وانا على رضى تام بما قالت. وتخليتُ عن فكرة السفر اقتناعا بما قالت. الم اقل لكم ان لها سحر في البيان! حتى ان رامي تعجب عند عودته للمنزل فاتحا الموضوع معي محاولا إقناعي بعدم السفر حينما قلت له: ” خلاص ما ابى اروح”.
عشت تلك الفترة متذبذبة ما بين طرفي نقيض. مرة يهوج الالم كحيوان شرس، ينهش قلبي ويمزق أوردة فؤادي. فتراني في تلك الفترة منعزلة في غرفتي، لا اعلم ما يحدث في بيتي. احاول الهروب بالنوم. وأحيانا، ترى ملامحي تستنطق السكينة والطمأنينة، وكأن شيئاً لم يكن. واشعر خلالها أنى تجاوزت مرحلة الانتكاسة وان كل شيء في نفسي عاد كما كان. أعيش حالة رضى وسعادة داخلية استغرب فيها من نفسي كابنة توفى أباها تشعر بهذا الشعور. لكن لا يمهلني الحزن وقتا طويلا حتى يعاود الهجوم فيرديني صريعة. هكذا كنت، انتقل من قمة شعور الى قمة شعور مناقض. كان إحساسي بأنني لست على طبيعتي يأزمني. في البداية كنت دائما اتخيل ابي وأتذكر مواقفه وهو في العناية المركزة، بضعفه ومرضه وبالأجهزة المحيطة به و بجسمه المنتفخ من اثر البنج. ثم بعد فترة تغيرت مسار ذكرياتي، فكنت اسمع صوت سعاله وأتذكر المواطن التي كنت أُلازمه فيها والحديث التي دار بيننا. لكن بعد ذلك اصبحت لا أتذكره الا وهو بكامل صحته، بثوبه الأبيض وغترته البيضاء وهو يشع جمالاً وهيبة. اتذكر دخلته البهية على كل بيت وصوته الرنان “ياولد”. كنت ومازلت تتبسم كلما تذكرت موقفا معه.
استمرت حالة التذبذب تلك ما يقرب ال ٣ أشهر. عدت بعدها في اجازة الكريسمس لمدة اسبوع فقط للسعودية. خلال هذي الفترة، كانت “خالتي ام مجيد” تلازمني في كل أوقاتي. رغم بعدها الجغرافي عني، حيث انها كانت تسكن في بريطانيا آنذاك، الا انني كنت اشعر وكأن مواساتها يد حانية تمسد على رأس يتيمة قد أوجعها مرار اليتم. لن أفي لها حقا مهما قلت، لكني أدين لها بالفضل ان لازمتني وتحملت عناء تقلباتي وعنادي وصدودي في تلك الفترة. فهي بالنسبة لي هبة ربانية أُرسلت لي ويكفي ان اسمها ارتبط بدعائي لوالديّ. بحيث انني كلما دعوت لابي تذكرت جميل صنعها علي ودعوت لها.
بعد زيارتي للسعودية عدت نوعا ما لطبيعتي، او لعلي كنت اظن كذلك. كان اكبر دافع لي في الدراسة هو انني ضحيت بابي من اجل الماجستير، فإن خسرتها خسرتهم جميعا، وان نلتها نلت معها غاية ابي. كان الحديث عن وفاة ابي وترا حساسا يشق علي فكنت أتجنب الحديث عنه. اثناء تواجدي في بلد دراستي لم تكن هناك مشكلة حيث ان الحديث عنه من اختياري. لكن في السعودية ليس من السهل السيطرة عليه. منذ وفاة ابي الى يوم تخرجي عدت للسعودية ثلاث مرات. في كل مرة كنت اسمع كلمات وحكايات طائشة من هنا وهناك عن سفري ووفاة ابي. كانت تستقر في جوف قلبي، تتجمد لها ملامحي وينزف لها قلبي. كنت فعلا الوم نفسي وأدركت انني لم أسامح نفسي، ولم أعد لطبيعتي كما كنت اظن، وانما تجاهلتها واكملت مشوار حياتي. وهذا يفسر الحالات التي تعتريني من وقت لآخر. لذلك قررت ان اكتب. لاصارح نفسي، واصل معاها لسلام داخلي. تعبت فعلا في كتابتي للجزء الاول للمقال. لكنني ادركت بعد ان وصلت الى هذا السطر من المقال، ان قصتي تعد نقطة قوة تُحسب لي، وليس أمرا مخجلا الوم نفسي عليه. نعم، انا من قررت السفر حين كان ابي في العناية المركزة. فأنا من أطاعت أباها لتقطع البحار والمحيطات لتبدأ مشوار علم قد غرس حبه في قلوبنا. أنا من اكملت دراستي في كانت ظروف صعبة ونجحت بدون اي إخفاقات ولله الحمد. انا من عدت لأكمل مشوار ابي بين عائلتي واجعل كل من يرى فعلي يترحم على رجل ربَّاني. فبيت الشعر يقول: “ليس الفتى من قال كان أبي، بل الفتى من قال ها أنا ذا” وأنا اقول: “ها أنا ذا بنت أبي”..
فالسؤال التي تمنيت سؤاله لابي، أتاني جوابه على شكل واقع عشته. ولو سألتموني نفس السؤال: لو عاد بك الزمن هل ستكون البعثة من ضمن خيارتك، سأقول لكم نعم.
